
The Changing of the Qiblah
One of the most significant events of the Madani period occurred in the month of Rajab, in the second year after Hijrah, when Allah Ta‘ala commanded the changing of the Qiblah from Baytul Maqdis to the Ka‘bah.
Initially, Rasulullah (sallallahu ‘alayhi wasallam) was instructed to face Baytul Maqdis in salah. He (sallallahu ‘alayhi wasallam) remained upon this command for approximately sixteen to seventeen months after Hijrah. This direction had been observed by previous Ambiya, and through it, Allah bestowed upon Nabiy (sallallahu ‘alayhi wasallam) the unique honour of both Qiblahs, a distinction unique to him.
Despite his complete obedience, Rasulullah (sallallahu ‘alayhi wasallam) longed for the Qiblah to be directed toward the Ka‘bah, the sacred House of Allah and the Qiblah of Sayyiduna Ibrahim (‘alayhis salam). Without verbally requesting this change, he (sallallahu ‘alayhi wasallam) would frequently turn his face towards the sky, awaiting Allah’s command.
In Rajab 2 A.H., Allah Ta‘ala revealed:
قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ
“We have certainly seen the turning of your face toward the heaven, so We will surely turn you to a Qiblah that pleases you…”
(Surah Baqarah, Verse: 144)
Another Significant Occurrence on a Monday
The command was revealed on a Monday while Rasulullah (sallallahu ‘alayhi wasallam) was leading salah. He (sallallahu ‘alayhi wasallam) immediately turned towards the Ka‘bah, and the Sahabah followed him mid-prayer, demonstrating perfect obedience. This event occurred while performing salah with the people of Banu Salimah, and the Masjid thereafter became known as Masjidul Qiblatayn.
The news spread quickly. Those reading salah in other areas, including Masjid Quba, were informed during salah and turned as they were, without hesitation.
Reactions and Divine Clarification
This change became a test of sincerity. The Jews, who had previously felt satisfaction when the Muslims faced Baytul Maqdis, objected and mocked the change. Allah Ta‘ala revealed that their reaction stemmed from jealousy, not confusion, for they knew from their scriptures that the final Messenger (sallallahu ‘alayhi wasallam) would be commanded to face the Ka‘bah.
Allah Ta‘ala declared:
سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ۚ
“The foolish among the people will say: What has turned them away from their former Qiblah?”
(Surah Baqarah, Verse: 142)
Some believers were concerned about those who had passed away while performing salah towards Baytul Maqdis. Allah reassured them with the verse:
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ
“And Allah would never allow your faith to be lost.”
(Surah Baqarah, Verse: 143)
Their past salah was fully accepted and preserved.
Lessons derived from the above
- Allah tests His servants with commands that may be difficult, to distinguish those who sincerely obey from those whose Iman is conditional.
- The merit was not in the direction itself, but in following the command of Allah, whichever way He decreed.
- Allah Ta’ala changed the Qiblah in response to the desire of Rasulullah (sallallahu ‘alayhi wasallam), showing his closeness and elevated rank with Allah.
- Even while in Salah, the Sahabah did not delay obedience until its completion but turned immediately in compliance with Allah’s command.
- Like many other major events in the Prophetic era, this occurrence took place on a Monday, further highlighting the day’s unique importance.
Sources
Sharhuz Zarqaniy, vol. 2, pgs. 242 – 254, Sahih Muslim, Hadith: 527, Sunan Tirmidhi, Hadith: 340, Sunan Ibn Majah, Hadith: 1010, Al-Bidayah wan-Nihayah, vol. 3, pg. 309
Selected other events that occurred in Rajab during the Prophetic period
- The first Migration to Abysinnia (5th year after Nubuwwah)
- The Battle of Tabuk (9 A.H.)
- Mi’raj, according to one view (One year before Hijrah)
29/12/2025
__________
التخريج من المصادر العربية
شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية: (٢/ ٢٤٢)
تحويل القبلة وفرض رمضان وزكاة الفطر:
«ثم حولت القبلة» أي: الاستقبال لا ما يستقبله المصلي؛ إذ لا يتعلق به تحويل أو حول، أي: غير وجوب استقبال المقدس، «إلى الكعبة» الترتيب ذكري لا زماني، فلا يرد عليه جزمه أن السرية على رأس سبعة عشر شهرا في رجب، وحكايته الخلاف الآتي في التحويل. «وكان صلى الله عليه وسلم يصلي إلى» صخرة «بيت المقدس» التي كان موسى يصلي إليها بحذاء الكعبة، وهي قبلة الأنبياء كلهم، نقله القرطبي عن بعضهم. وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي، قال: ما خالف نبي نبيا في قبلة ولا سنة، إلا أنه صلى الله عليه وسلم استقبل بيت المقدس ثم تحول إلى الكعبة. وروى أبو داود في الناسخ والمنسوخ عن الحسن في قوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} [آل عمران: ٩٦] الآية، قال: أعلم قبلته فلم يبعث نبي إلا وقبلته البيت، وهذا قواه الحافظ العلائي، فقال في تذكرته: الراجح عند العلماء أن الكعبة قبلة الأنبياء كلهم، كما دلت عليه الآثار. قال بعضهم: وهو الأصح، انتهى. اختار ابن العربي وتلميذه السهيلي: أن قبلة الأنبياء بيت المقدس، قال بعض: وهو الصحيح المعروف. فعد صاحب الأنموذج من خصائص المصطفى وأمته استقبال الكعبة: إنما هو على أحد القولين المرجحين، نعم ذكر فيما اختص به على جميع الأنبياء والمرسلين أن الله جمع له بين القبلتين صلى الله عليه وسلم «بالمدينة» حال «ستة عشر شهرا» كما رواه مسلم عن أبي الأحوص، والنسائي عن زكريا بن أبي زائدة، وشريك وأبو عوانة عن عمار بن زريق بتقديم الراء مصغر، أربعتهم عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب جزما. ورواه أحمد بسند صحيح عن ابن عباس، ورجحه النووي في شرح مسلم، وفي رواية زهير عند البخاري وإسرائيل عنده، وعند الترمذي عن أبي إسحاق عن البراء ستة عشر شهرا، أو سبعة عشر شهرا بالشك.
… وذلك أن القدوم كان في شهر ربيع الأول بلا خلاف، وكان التحويل في نصف شهر رجب من السنة الثانية على الصحيح، وبه جزم الجمهور. ورواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس، وقال ابن حبان: سبعة عشر شهرا وثلاثة أيام، وهو مبني على أن القدوم كان في ثاني ربيع الأول، انتهى. قال البرهان: ويمكن أن هذا مراد من قال سبعة عشر بإلغاء الكسر.
…. «وقيل: يوم الاثنين نصف رجب» رواه أحمد عن ابن عباس بإسناد صحيح. قال الواقدي: وهذا أثبت. قال الحافظ: وهو الصحيح، وبه جزم الجمهور، كما مر، وهو صالح لروايتي ستة عشر وسبعة عشر والشك، فالحاصل في الشهر ثلاثة أقوال، وفي اليوم قولان.
«وظاهر حديث البراء» بتخفيف الراء والمد على الأشهر، ابن عازب الأنصاري الأوسي الصحابي ابن الصحابي «في البخاري أنها» أي: الصلاة التي وقع فيها التحويل، «كان صلاة العصر» لقوله وأنه، أي: النبي صلى الله عليه وسلم أول صلاة صلاها صلاة العصر، أي: متوجها إلى الكعبة. «ووقع عند النسائي من رواية أبي سعيد بن المعلى» بضم الميم وفتح المهملة وشد اللام، صحابي جليل اسمه سعيد، وقيل: رافع ووهاه ابن عبد البر، وقوى الأول. «أنها الظهر»وكذا عند الطبراني والبزار من حديث أنس، وعند ابن سعد: حولت في صلاة الظهر أو العصر، وجمع الحافظ فقال في كتاب الإيمان: التحقيق: أن أول صلاة صلاها في بني سلمة لما مات بشر بن البراء بن معرور الظهر الأول صلاة صلاها بالمسجد النبوي العصر.
«وأما أهل قباء فلم يبلغهم الخبر إلى صلاة الفجر» أي: الصبح، «من اليوم الثاني» وقال في كتاب الصلاة: لا منافاة بين الخبرين؛ لأن الخبر وصل وقت العصر إلى من هو داخل المدينة وهم بنو حارثة، ووصل وقت الصبح إلى من هو خارجها وهم أهل قباء، «كما في الصحيحين» البخاري في الصلاة والتفسير ومسلم في الصلاة، وكذا النسائي «عن ابن عمر» بن الخطاب «أنه قال: بينما الناس» المعهودون في الذهن «بقباء» بالمد والتذكير والصرف على الأشهر ويجوز القصر وعدم الصرف ويؤنث. موضع معروف ظاهر المدينة وفيه مجاز الحذف، أي: بمسجد قباء.
«في صلاة الصبح» ولمسلم في صلاة الغداة وهو أحد أسمائها ونقل بعضهم كراهة تسميتها بذلك، «إذ جاءهم آت» قال الحافظ: ولم يسم وإن كان ابن طاهر وغيره نقلوا أنه عباد بن بشر ففيه نظر؛ لأن ذلك إنما ورد في حق بني حارثة في صلاة العصر، فإن كان ما نقلوه محفوظا فيحتمل أن عبادا أتى بني حارثة أولا وقت العصر ثم توجه إلى أهل قباء، فأعلمهم بذلك في الصبح، ومما يدل على تعددهما أن مسلما روى عن أنس: أن رجلا من بني سلمة مر وهم ركوع في صلاة الفجر، فهذا موافق لرواية ابن عمر في تعيين الصلاة، وبنو سلمة غير بني حارثة انتهى.
… «فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم» أسقط من الحديث ما ألفظه: قد أنزل عليه الليلة قرآن، قال الحافظ: فيه إطلاق الليلة على بعض اليوم الماضي وما يليه مجازا والتنكير لإرادة البعضية، والمراد قوله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء} [البقرة: ١٤٤] الآية. «قد أمر» بضم الهمزة مبنيا للمفعول «أن» أي: بأن «يستقبل» بكسر الموحدة، أي: باستقبال «الكعبة، فاستقبلوها» بفتح الموحدة عن أكثر رواة الصحيحين على أنه فعل ماض، أي: تحول أهل قباء إلى جهة الكعبة، «وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة» وضمير استقبلوها ووجوههم لأهل قباء، ويحتمل أنه للنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه…
«وروى الطبري» محمد بن جرير من طريق علي بن أبي طلحة، «عن ابن عباس» قال: «لما هجر صلى الله عليه وسلم إلى المدينة واليهود أكثر أهلها يستقبلون» خبر ثان لليهود أو لمبتدأ محذوف، أي: وهم يستقبلون «بيت المقدس أمره الله تعالى أن يستقبل بيت المقدس» ليجمع له بين القبلتين، كما عده السيوطي من خصائصه على الأنبياء والمرسلين وتأليفا لليهود، كما قال أبو العالية «ففرحت اليهود» لظنهم أنه استقبله اقتداء بهم مع أنه كان لأمر ربه «فاستقبلها سبعة عشر شهرا، وكان صلى الله عليه وسلم يحب أن يستقبل قبلة إبراهيم» وعند الطبري أيضا من طريق مجاهد عن ابن عباس، قال: إنما أحب أن يتحول إلى الكعبة؛ لأن اليهود قالوا: يخالفنا محمد ويتبع قبلتنا. وعند ابن سعد: أنه صلى الله عليه وسلم قال: «يا جبريل، وددت أن الله صرف وجهي عن قبلة يهود»، فقال جبريل: إنما أنا عبد فادع ربك وسله.
وعند السدي في الناسخ والمنسوخ عن ابن عباس: كان صلى الله عليه وسلم يعجبه أن يصلي قبل الكعبة؛ لأنها قبلة آبائه إبراهيم وإسماعيل، فقال لجبريل: «وددت أنك سألت الله أن يصرفني إلى الكعبة»، فقال جبريل: لست أستطيع أن أبتدئ الله عز وجل بالمسألة ولكن إن سألني أخبرته. «فكان يدعو» دعاء محبة لذلك بالحال لا بالقال، ففي الفتح فيه بيان شرف المصطفى وكرامته على ربه لإعطائه له ما أحب من غير تصريح بالسؤال، وعليه فالعطف تفسيري في قوله: «وينظر إلى السماء» ينظر جبريل ينزل عليه، كما عند السدي وغيره، ولأنها قبلة الداعي «فنزلت الآية» يعني قوله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: ١٤٤] الآية، وبقية حديث ابن عباس هذا عند ابن جرير: فارتاب في ذلك اليهود، وقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، فأنزل الله: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: ١١٥] الآية.
«قال في فتح الباري» في كتاب الصلاة «وظاهر حديث ابن عباس هذا أن استقبال بيت المقدس إنما وقع بعد الهجرة إلى المدينة، لكن أخرج أحمد من وجه آخر عن ابن عباس» قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصل بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه» فحصل تخالف بين حديثيه؛ إذ مقتضى الأول أنه إنما أمر به في المدينة، وهذا صريح في أنه كان بمكة. «قال» يعني في الفتح: «والجمع بينهما ممكن بأن يكون أمر» صلى الله عليه وسلم «لما هاجر أن يستمر على الصلاة لبيت المقدس» فالأمر بابتداء استقباله كان بمكة، والذي بالمدينة باستمراره، ثم نسخ باستقبال الكعبة، فلم يقع نسخ بيت المقدس إلا مرة واحدة…
وحكى الزهري خلافا في أنه كان بمكة يجعل الكعبة خلف ظهره أو يجعلها بينه وبين بيت المقدس. قال الحافظ: فعلى الأول: كان يجعل الميزان خلفه. وعلى الثاني: كان يصلي بين الركنين اليمانيين وزعم ناس أنه لم يزل يستقبل الكعبة بمكة، فلما قدم المدينة استقبل بيت المقدس ثم نسخ، وحمل ابن عبد البر هذا على قول الثاني ويؤيده حمله على ظاهره إمامة جبريل ففي بعض طرقه: أن ذلك كان عند البيت.
وفي الفتح أيضا اختلفوا في الجهة التي كان يصلي إلى بيت المقدس، لكنه كان لا يستدبر الكعبة بل يجعلها بينه وبين بيت المقدس. وأطلق آخرون: أنه كان يصلي إليها بمكة. فقال ابن عباس وغيره: كان يصلي إلى بيت المقدس. وقال آخرون: كان يصلي إلى الكعبة، فلما هاجر استقبل المقدس. وهذا ضعيف، ويلزم منه دعوى النسخ مرتين، والأول أصح؛ لأنه يجمع به بين القولين وقد صححه الحاكم وغيره من حديث ابن عباس، انتهى.
ولا يخالفه قول ابن العربي: نسخ الله القبلة ونكاح المتعة ولحوم الحمر الأهلية مرتين مرتين ولا أحفظ رابعا.. وقال أبو العباس العزفي -بفتح المهملة والزاي وبالفاء: رابعها الوضوء مما مست النار، ونظم ذلك السيوطي؛ لأن مراد الحافظ أن خصوص نسخ بيت المقدس لم يتكرر، وما أثبته ابن العربي النسخ للقبلة في الجملة، بمعنى: أنه أمر باستقبال الكعبة ثم نسخ باستقبال بيت المقدس، ثم نسخ بالكعبة، كما هو مدلول كلاميهما، ودل عليه أثر ابن جريج.
«وقوله في حديث ابن عباس الأول: أمره الله يرد قول من قال» وهو الحسن البصري، «أنه صلى إلى بيت المقدس باجتهاد» وكذا قول الطبري: كان مخيرا بينه وبين الكعبة، فاختاره طمعا في إيمان اليهود، ويرده أيضا سؤاله لجبريل؛ إذ لو كان مخيرا لاختار الكعبة لما أحبها من غير سؤال.
قال شيخنا: إلا أن يقال بعد اختياره وجب عليه لكنه استبعد هذا بمجلسه؛ لأن فيه تضييقا عليه ولو خير كان كتخييره بين المسح على الخفين وغسل الرجلين، والذي عليه الجمهور، كما قال القرطبي: أنه إنما كان بأمر الله ووحيه.
«وعن أبي العالية» رفيع بضم الراء مصغر بن مهران بكسر الميم، الرماحي بكسر الراء وتحتية، مولاهم البصري التابعي الكبير، أخرج له الجميع. «أنه صلى إلى بيت المقدس يتألف أهل الكتاب» وعن الزجاج امتحانا للمشركين؛ لأنهم ألقوا الكعبة «وهذا لا ينفي أن يكون بتوقيف» فقد يكون الأمر به لتأليفهم، «واختلفوا في المسجد الذي كان يصلي فيه» حين حولت القبلة، «فعند ابن سعد في الطبقات أنه» صلى الله عليه وسلم «صلى ركعتين من الظهر في مسجده» النبوي «بالمسلمين، ثم أمر أن يتوجه إلى المسجد الحرام» أي: الكعبة وعبر به كالآية دون الكعبة؛ لأنه كما قال البيضاوي: كان عليه السلام بالمدينة والبعيد يكفيه مراعاة الجهة، فإن استقبال عينها، أي: للبعيد، حرج عليه بخلاف القريب.
«فاستدار إليه ودار معه المسلمون» فصلى بهم ركعتين أخريين؛ لأن الظهر كانت يومئذ أربعا، فثنتان منها لبيت المقدس، وثنتان للكعبة، ووقع التحويل في ركوع الثالثة، كما في النور، فجعلت كلها ركعة للكعبة مع أن قيامها وقراءتها وابتداء ركوعها للقدس؛ لأنه اعتداد بالركعة إلا بعد الرفع من الركوع ولذا يدركها المسبوق قبله.
«ويقال: إنه عليه السلام زار أم بشر بن البراء بن معرور» بمهملات، يقال: اسمها خليدة، كما في التجريد. «في بني سلمة» بكسر اللام والنسبة إليها بفتحها على المشهور، وفي الألفية. والسلمي افتحه في الأنصاري. وفي اللب كسرها المحدثون في النسبة أيضا.
«فصنعت له طعاما، وكانت» أي: وجدت «الظهر» أي: دخل وقتها، فكان تامة، لكن المذكور في الفتح الذي هو ناقل عنه، وكذا العيون والسبل عن ابن سعد، بلفظ: وحانت الظهر بمهملة، أي دنا وقتها، «فصلى عليه السلام بأصحابه ركعتين ثم أمر» باستقبال الكعبة في ركوع الثالثة، «فاستداروا إلى الكعبة» بأن حول الإمام من مكانه الذي كان يصلي فيه إلى مؤخره، فتحولت الرجال حتى صاروا خلفه، وتحولت النساء حتى صرن خلف الرجال، ولا يشكل بأنه عمل كثير، لاحتمال أنه قبل تحريمه فيها كالكلام، أو اغتفر هذا العمل للمصلحة، أو لم تتوال الخطا عند التحويل بل وقعت متفرقة، «فسمي مسجد القبلتين» لنزول النسخ وتحويله عليه السلام فيه ابتداء فلا يرد أن التحويل وقع في مسجدي قباء وبني حارثة، ولم يسميا بذلك، وأيضا فحكمة التسمية لا يلزم اطرادها.
«قال ابن سعد: قال الواقدي: هذا عندنا أثبت» من القول الأول أن التحويل وقع في المسجد النبوي «ولما حول الله القبلة حصل لبعض الناس من المنافقين والكفار» المشركين من قريش، «واليهود ارتياب» شك «وزيغ» ميل «عن الهدى وشك» فيه، «وقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها» على استقبالها في الصلاة «أي: ما لهؤلاء تارة يستقبلون كذا، وتارة يستقبلون كذا،» وصريحه أن هذا قول الطوائف الثلاث، وبه صرح البيضاوي وسيذكر المصنف مقابله أخيرا.
«فأنزل الله جوابهم في قوله:» {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} [البقرة: ١٤٢] ، أي: الجهات كلها؛ لأنهما ناحيتا الأرض، فيأمر بالتوجه إلى أي جهة شاء، لا اعتراض عليه، كما في الجلال، فحمله على الحقيقة، وحمله المصنف على المجاز، فقال: «أي الحكم والتصرف والأمر كله لله» لا يسأل عما يفعل، «فحيما وجهنا توجهنا، فالطاعة في امتثال أمره ولو وجهنا كل يوم مرات إلى جهات متعددة، فنحن عبيده. وفي تصريفه و» ونحن «خدامه حيثما وجهنا توجهنا» وقد قال تعالى: {لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِب} [البقرة: ١٤٢] ، فأينما تولوا فثم وجه الله، تقدم عن ابن عباس أن سبب نزولها إنكار اليهود.
قال السيوطي: وإسناده قوي فليعتمد. وفي سببها روايات أخر ضعيفة. «ولله تعالى بنبينا عليه الصلاة والسلام وبأمته عناية» أي: رعاية «عظيمة؛ إذ هداهم إلى قبلة خليله إبرهيم» وألقى حبها في قلب حبيبه عليه السلام، ولم يفعل ذلك بغير أمته بل تركوا على ضلالهم الذي وقعوا فيه مع أنها قبلة الأنبياء كلهم على أحد القولين، كما مر.
وربما يؤيد الحديث الذي ذكره بقوله: «قال عليه الصلاة والسلام، فيما رواه أحمد عن عائشة: «إن اليهود لا يحسدونا على شيء كما يحسدونا على يوم الجمعة التي هدانا الله إليها» قال الحافظ: يحتمل بأن نص لنا عليه، ويحتمل بالاجتهاد، ويشهد له أثر ابن سيرين في جمع أهل المدينة قبل قدوم المصطفى، فإنه يدل على أن أولئك الصحابة اختاروا يوم الجمعة بالاجتهاد، ولا يمنع ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه بالوحي وهو بمكة، فلم يتمكن من إقامتها.
ثم قد ورد فيه حديث ابن عباس عند الدارقطني، ولذا جمع بهم أول ما قدم المدينة، كما حكاه ابن إسحاق وغيره، وعلى هذا فقد حصلت الهداية للجمعة بجهتي البيان والتوفيق، انتهى ملخصا.
«وضلوا عنها» لأنه فرض عليهم يوم الجمعة وكل إلى اختيارهم ليقيموا فيه شريعتهم، فاختلفوا في أي الأيام هو ولم يهتدوا ليوم الجمعة، قاله ابن بطال، ومال إليه عياض قواه. وقال النووي: يمكن أنهم أمروا به صريحا، فاختلفوا هل يلزم بعينه أن يسوغ إبداله بيوم آخر، فاجتهدوا فأخطئوا، قال الحافظ: ويشهد له ما للطبري عن مجاهد في قوله تعالى: {إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْت} [النحل: ١٢٤] ، قال: أرادوا الجمعة فأخطئوا وأخذوا السبت مكانه. وقد روى ابن أبي حاتم عن السدي التصريح بأنه فرض عليهم يوم الجمعة بعينه، ولفظه: «إن الله فرض على اليهود الجمعة، فأبوا»، وقالوا يا موسى: إن الله لم يخلق يوم السبت شيئا فاجعله لنا فجعل عليهم، وليس ذلك بعجيب من مخالفتهم كما وقع لهم في قوله تعالى: {ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ} [البقرة: ٥٨] الآية، وغير ذلك، وكيف لا؟ وهم القائلون: سمعنا وعصينا، انتهى.
«وعلى القبلة التي هدانا الله إليها» بصريح البيان بالأمر المكرر، أولا لبيان تساوي حكم السفر وغيره، وثانيا للتأكيد، «وضلوا عنها» لأنهم لم يؤمروا باستقبال الصخرة، كما دل عليه هذا الحديث، وهو يؤيد ما رواه أبو داود في الناسخ والمنسوخ عن خالد بن يزيد بن معاوية قال: لم تجد اليهود في التوراة القبلة، ولكن تابوت السكينة على الصخرة، فلما غضب الله على بني إسرائيل رفعه، وكانت صلاتهم إلى الصخرة عن مشورة منهم.
وروى أبو داود أيضا: أن يهوديا خاصم أبا العالية في القبلة، فقال أبو العالية: كان موسى يصلي عند الصخرة ويستقبل البيت الحرام، فكانت قبلته، وكانت الصخرة بين يديه، وقال اليهودي: بيني وبينك مسجد صالح النبي عليه السلام، فقال أبو العالية: فإني صليت في مسجد صالح وقبلته إلى الكعبة وفي مسجد ذي القرنين وقبلته إليها. وفي البغوي في تفسير قوله تعالى: {وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة} [يونس: ٨٧] الآية، روى ابن جريج عن ابن عباس، قال: كانت الكعبة قبلة موسى ومن معه، انتهى. وبه قطع الزمخشري والبيضاوي.
«وعلى قولنا خلف الإمام: آمين» فإنها لم يعطها أحد ممن كان قبلكم إلا هارون فإنه كان يؤمن على دعاء موسى، كما قال صلى الله عليه وسلم في حديث أنس عند ابن مردويه وغيره.
«و» روى ابن إسحاق وغيره عن البراء، قال: «قال بعض المؤمنين:» لما حولت القبلة «فكيف صلاتنا التي صليناها نحو بيت المقدس؟ وكيف من مات من إخواننا» من المسلمين؟ قال في الفتح: وهم عشرة، فبمكه من قريش: عبد الله بن شهاب: والمطلب بن أزهر الزهريان، وسكران بن عمر، والعامري. وبأرض الحبشة: حطاب بالمهملة ابن الحارث الجمحي، وعمرو بن أمية الأسدي، وعبد الله بن الحارث السهمي، وعروة بن عبد العزى، وعدي بن نضلة العدويان. ومن الأنصار بالمدينة: البراء بن معرور بمهملات، وأسعد بن زرارة، فهؤلاء العشرة متفق عليهم، ومات في المدة أيضا: إياس بن معاذ الأشهلي، لكنه مختلف في إسلامه. «وهم يصلون إلى بيت المقدس، فأنزل اله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: ١٤٣] ، صلاتكم إلى بيت المقدس، انتهى. وبهذا جزم الجلال، فلا عليك ممن قال إيمانكم بالقبلة المنسوخة.
وروى البخاري من طريق زهير عن أبي إسحاق عن البراء: مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا، فلم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: ١٤٣] ، قال الحافظ: وباقي الروايات إنما فيها ذكر الموت فقط، وكذلك روى أبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم صحيحا عن ابن عباس، ولم أجد في شيء من الأخبار أن أحدًا قتل من المسلمين قبل تحويل القبلة، لكن لا يلزم من عدم الذكر عدم الوقوع، فإن كانت هذه اللفظة محفوظة، فتحمل على أن بعض المسلمين ممن لم يشتهر قتل في تلك المدة في غير جهاد، ولم يضبط اسمه لقلة الاعتناء بالتاريخ إذ ذاك، ثم وجدت في المغازي رجلا اختلف في إسلامه.
فقد ذكر ابن إسحاق: أن سويد بن الصامت لقي النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يلقاه الأنصار في العقبة، فعرض عليه الإسلام، فقال: إن هذا القول حسن، وانصرف إلى المدينة فقتل به في وقعة بعاث، بضم الموحدة وإهمال العين ومثلثة، وكانت قبل الهجرة، قال: وكان قومه يقولون: قتل وهو مسلم. وذكر لي بعض الفضلاء أنه يجوز أن يراد من قتل بمكة من المستضعفين كأبوي عمار، فقلت: يحتاج إلى ثبوت أن قتلهما بعد الإسرار، انتهى.
«وقيل: قال اليهود» مقابل ما فهم من كلامه المتقدم أن ما ولاهم عن قبلتهم صدر عنهم وعن المنافقين والمشركين، «اشتاق إلى بلد أبيه،» مكة «وهو يريد أن يرضي قومه» قريشا «ولو ثبت عى قبلتنا لرجونا أن يكون هو النبي الذي ننتظر أن يأتي» وهذا القول نقله في العيون عن السدي، وزاد عنه: وقال المنافقون: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، وقال كفار قريش: تحير على محمد دينه، فاستقبل قبلتكم وعلم أنكم أهدى منه ويوشك أن يدخل في دينكم، «فأنزل الله تعالى» في اليهود: {وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [البقرة: ١٤٤] ، أي: التوراة، {لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ} [البقرة: ١٤٤] يعني أن اليهود الذين أنكروا استقبالكم الكعبة وانصرافكم عن بيت المقدس يعلمون أن الله تعالى سيوجهك إليها بما في كتبهم عن أنبيائهم» قال السدي: وأنزل فيهم: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [البقرة: ١٤٥] الآيتين، قال: أي يعرفون أن قبلة النبي الذي يبعث من ولد إسماعيل قبل الكعبة كذلك هو مكتوب عندهم في التوراة وهم يعرفونه بذلك، كما يعرفون أبناءهم وهم يكتمون ذلك وهم يعلمون أنه الحق، يقول الله تعالى: {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [البقرة: ١٤٧] ، أي الشاكين: وأنزل الله في المنافقين: {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِب} [البقرة: ١٤٢] ، وفي المشركين: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّة} [البقرة: ١٥٠] الآية.
صحيح مسلم:
(٥٢٧) – حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي نحو بيت المقدس»، فنزلت: {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام} [البقرة: ١٤٤] فمر رجل من بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر، وقد صلوا ركعة، فنادى: ألا إن القبلة قد حولت، فمالوا كما هم نحو القبلة.
سنن الترمذي:
(٣٤٠) – حدثنا هناد، قال: حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة صلى نحو بيت المقدس ستة، أو سبعة عشر شهرا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يوجه إلى الكعبة، فأنزل الله تعالى: {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام}، فوجه نحو الكعبة، وكان يحب ذلك، فصلى رجل معه العصر، ثم مر على قوم من الأنصار وهم ركوع في صلاة العصر نحو بيت المقدس، فقال: هو يشهد أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه قد وجه إلى الكعبة، قال: فانحرفوا وهم ركوع.
سنن ابن ماجه:
(١٠١٠) – حدثنا علقمة بن عمرو الدارمي، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق
عن البراء، قال: صلينا مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – نحو بيت المقدس ثمانية عشر شهرا، وصرفت القبلة إلى الكعبة بعد دخوله المدينة بشهرين، وكان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إذا صلى إلى بيت المقدس أكثر تقلب وجهه في السماء، وعلم الله من قلب نبيه – صلى الله عليه وسلم – أنه يهوى الكعبة، فصعد جبريل، فجعل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يتبعه بصره، وهو يصعد بين السماء والأرض، ينظر ما يأتيه به، فأنزل الله: {قد نرى تقلب وجهك في السماء} الآية [البقرة: ١٤٤]، فأتانا آت، فقال: إن القبلة قد صرفت إلى الكعبة، وقد صلينا ركعتين إلى بيت المقدس ونحن ركوع فتحولنا، فبنينا على ما مضى من صلاتنا، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «يا جبريل، كيف حالنا في صلاتنا إلى بيت المقدس؟» فأنزل الله عز وجل: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} [البقرة: ١٤٣].
البداية والنهاية: (٣/ ٣٠٩)
وقد تكلمنا على ذلك مستقصى في التفسير عند قوله تعالى: (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أورثوا الكتاب يعلمون إنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما تعملون) [البقرة: ١٤٤] .
وما قبلها وما بعدها من اعتراض سفهاء اليهود والمنافقين والجهلة الطغام على ذلك لأنه أول نسخ وقع في الإسلام هذا وقد أحال الله قبل ذلك في سياق القرآن تقرير جواز النسخ عند قوله: (ما ننسخ من آية، أو ننسأها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير) وقد قال البخاري: حدثنا أبو نعيم سمع زهيرا عن أبي إسحاق عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا – أو سبعة عشر شهرا – وكان يعجبه أن تكون قبلته إلى البيت، وإنه صلى أول صلاة صلاها إلى الكعبة العصر وصلى معه قوم فخرج رجل ممن كان معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل مكة فداروا كما هم قبل البيت، وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحول رجال قتلوا لم ندر ما نقول فيهم فأنزل الله: (وما كان ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤف رحيم) [البقرة: ١٤٣] رواه مسلم من وجه آخر.
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا الحسن بن عطية حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء. قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلى نحو بيت المقدس ستة عشر – أو سبعة عشر – شهرا، وكان يحب أن يوجه نحو الكعبة فأنزل الله: (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام) [البقرة: ١٤٤] . قال فوجه نحو الكعبة وقال السفهاء من الناس – وهم اليهود – ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها.
فأنزل الله: (قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) وحاصل الأمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بمكة إلى بيت المقدس والكعبة بين يديه كما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنه، فلما هاجر إلى المدينة لم يمكنه أن يجمع بينهما فصلى إلى بيت المقدس أول مقدمه المدينة واستدبر الكعبة ستة عشر شهرا – أو سبعة شهرا – وهذا (*) = استقبال الكعبة وكان يصلي بمكة ويجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس، فلما هاجر إلى المدينة لم يمكنه ذلك. وكان يؤثر أن يصرف إلى الكعبة فأمره الله أن يستقبل الكعبة. يقتضي أن يكون ذلك إلى رجب من السنة الثانية والله أعلم.
وكان عليه السلام يحب أن يصرف قبلته نحو الكعبة قبلة إبراهيم وكان يكثر الدعاء والتضرع والابتهال إلى الله عزوجل فكان مما يرفع يديه وطرفه إلى السماء سائلا ذلك فأنزل الله عزوجل: (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام) الآية. فلما نزل الأمر بتحويل القبلة خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين وأعلمهم بذلك كما رواه النسائي عن أبي سعيد بن المعلى وأن ذلك كان وقت الظهر. وقال بعض الناس نزل تحويلها بين الصلاتين قاله مجاهد وغيره ويؤيد ذلك ما ثبت في الصحيحين عن البراء أن أول صلاة صلاها عليه السلام إلى الكعبة بالمدينة العصر والعجب أن أهل قباء لم يبلغهم خبر ذلك إلى صلاة الصبح من اليوم الثاني كما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر. قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد
أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة، وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك نحو ذلك.
والمقصود أنه لما نزل تحويل القبلة إلى الكعبة ونسخ به الله تعالى حكم الصلاة إلى بيت المقدس طعن طاعنون من السفهاء والجهلة والأغبياء قالوا ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها هذا والكفرة من أهل الكتاب يعلمون إن ذلك من الله لما يجدونه من صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم من أن المدينة مهاجره وأنه سيؤمر بالاستقبال إلى الكعبة كما قال: (وأن الذين أورثوا الكتاب ليعلمون إنه الحق من ربهم) الآية وقد أجابهم الله تعالى مع هذا كله عن سؤالهم، ونعتهم فقال: (سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) أي هو المالك المتصرف الحاكم الذي لا معقب لحكمه الذي يفعل ما يشاء في خلقه ويحكم ما يريد في شرعه وهو الذي يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ويضل من يشاء عن الطريق القويم وله في ذلك الحكمة التي يجب لها الرضا والتسليم ثم قال تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) أي خيارا (لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) أي وكما اخترنا لكم أفضل الجهات في صلاتكم وهديناكم إلى قبلة أبيكم إبراهيم والد الأنبياء بعد التي كان يصلي بها موسى فمن قبله من المرسلين كذلك جعلناكم خيار الأمم وخلاصة العالم وأشرف الطوائف وأكرم التالد والطارف لتكونوا يوم القيامة شهداء على الناس لإجماعهم عليكم وإشارتهم يومئذ بالفضيلة إليكم كما ثبت في صحيح البخاري: عن أبي سعيد مرفوعا من استشهاد نوح بهذه الأمة يوم القيامة وإذا استشهد بهم نوح مع تقدم زمانه فمن بعده بطريق الأولى والأحرى. ثم قال تعالى مبينا حكمته في حلول نقمته بمن شك وارتاب بهذه الواقعة. وحلول نعمته على من صدق وتابع هذه الكائنة. فقال: (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول) . قال ابن عباس: إلا لنرى من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، وإن كانت لكبيرة أي وإن كانت هذه الكائنة العظيمة الموقع كبيرة المحل شديدة الأمر إلا على الذي هدى الله أي فهم مؤمنون بها مصدقون لها لا يشكون ولا يرتابون بل يرضون ويؤمنون ويعملون لأنهم عبيد للحاكم العظيم القادر المقتدر الحليم الخبير اللطيف العليم وقوله: (وما كان الله ليضيع إيمانكم) أي بشرعته استقبال بيت المقدس والصلاة إليه (إن الله بالناس لرؤف رحيم) والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جدا يطول استقصاؤها وذلك مبسوط في التفسير وسنزيد ذلك بيانا في كتابنا الأحكام الكبير.
وقد روى الإمام أحمد: حدثنا علي بن عاصم، حدثنا حصين بن عبد الرحمن، عن عمرو بن قيس، عن محمد بن الأشعث، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم – يعني في أهل الكتاب -: «إنهم لم يحسدونا على شئ كما يحسدوننا على يوم الجمعة التي هدانا الله إليها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا، وعلى قولنا خلف الإمام آمين».
